ابن قيم الجوزية

34

الروح

وقد أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم يستبشرون بنعمة من اللّه ، وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه : ( أحدها ) أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون . ( الثاني ) أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم . ( الثالث ) أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا مثل يتباشرون . وقد تواترت المرائي بذلك ، ( فمنها ) ما ذكره صالح بن بشير قال : رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت له : يرحمك اللّه لقد كنت طويل الحزن في الدنيا ، فقال : أما واللّه لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائما ، فقلت : في أي الدرجات أنت ؟ قال : مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . ( وقال ) عبد اللّه بن المبارك : رأيت سفيان الثوري « 1 » في النوم فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : لقيت محمدا وحزبه . ( وقال ) صخر بن راشد : رأيت عبد اللّه بن المبارك « 2 » في النوم بعد موته

--> ( 1 ) هو الإمام أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري الفقيه سيد أهل زمانه علما وعملا ، روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب وخلق كثير ، قال ابن المبارك : كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ ، ما فيهم أفضل من سفيان . وقال أحمد بن حنبل : لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد . ولكن سفيان كثير الحط على المنصور لظلمه ، فهمّ به وأراد قتله فما أمهله اللّه . توفي رحمه اللّه تعالى في البصرة متواريا إحدى وستين ومائة قال ابن رجب : وجد في آخر القرن الرابع سفيانيون ، ومناقبه تحمل مجلدات . ورآه بعضهم بعد موته فقال : نظرت إلى ربي عيانا فقال لي * هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد لقد كنت قواما إذ أظلم الدجى * بصبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصد أردته * وزرني فإني منك غير بعيد ( 2 ) هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ ذو المناقب ، سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وهذه الطبقة ، وصنف التصانيف الكثيرة ، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث . قال أحمد بن حنبل : لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه ، وكانت له تجارة واسعة ينفق منها على الفقراء في السنة مائة ألف درهم . قال الفضيل بن عياض : -